عودة إلى الفهرس

إشاراتٌ حول مسألَةِ (حدوث الكون)

مقالة قديمة·الإلهيات
إشاراتٌ حول مسألَةِ (حدوث الكون)
استمع للمقالة
٠٠:٠٠ / ٠٠:٠٠تنزيل

إنَّ مقام الاستدلال -من حيث هو عملية ذهنية- مقام شريف امتاز به الإنسان عن جميع الدواب، ويزداد شرفًا كلما كان المطلوب فيه أعلى وأجلّ، كما يزدان بقوة مضمونه، وقلة مقدماته، وظهورِ ترابطه. وهو ما اتصفت به أدلة القرآن العقلية على المطالب الإلهية، والتي من أعظمها وجود الله ووحدانيته؛ حيث تجدُ الاستدلال بالحوادث المشاهدة، وما فيها من إحكام وإتقان، بعيدًا عن سلوكِ طرقٍ ضعيفة، أو طويلةٍ، أو غامضةٍ كتلك الطرق التي يسلكها من يجعل ثبوت ذلك المطلوب متوقفًا على إثبات حدوث جميع أجزاء الكون!

وقد ألمحتُ في مقام غير هذا إلى أنَّ العِلْمَ بوجود الخالق لا يتوقف على العلم بحدوث جميع أجزاء الكون، ثم سلكتُ في إثباته -أي: وجود الخالق وكماله- مسلكًا استدلاليًّا لا يخرج عن كنف هذه الدعوى، ألا وهو الاستدلال بالإنسان -وهو جزء من أجزاء الكون- على الخالق سبحانه، وهنا في هذه المقالة سأشير إلى نقاط مهمة تتعلَّق بمسألة «حدوث الكون».

ما هو مفهوم الكون؟

حين نذكر هذا اللفظ فإنما نعني به مجموع أجزاء ما نراه من سماء، وأرضٍ، وكواكب، وكائنات حية، وجمادات وغير ذلك، وهذا يعني أنَّ الكون ليس شيئًا مستقِلًّا عمَّا نراه في العالم العلوي والسفلي!

ونحن إذا أردنا أنْ نقسِّمَ الموجودات المشاهدة من حيث العلم بحدوثها = وجدناها على قسمين:

القسم الأول: موجوداتٌ عَلِمنا حدوثها بالحس والمشاهدة؛ كوجود الإنسان، والحيوانات، والأشجار. القسم الثاني: موجودات يتطلب العلم بحدوثها نظرًا عقليًّا أو خبرًا سماويًّا، ومعلومٌ أنَّ عدم العلم بحدوث ما لم تشاهد حدوثه لا يعني عدم الحدوث، والإشارة إلى هذا الأمر أراها مهمة؛ لكيلا يكون الجهل بالحدوث حائلًا بين المرء وإثبات الخالق بالاستناد على ما شهد حدوثَه بالحس؛ إذ الصحيح أن يحتكم إلى العلم لا إلى الجهل.

ولن أتطرق في هذه المقالة القصيرة إلى ما يقوله العلم الطبيعي حول هذه القضية، وإنما سأكتفي ببعض الإشارات التي أراها مهمة:

الأولى: اعلم أنَّ من يدَّعي أزلية شيء من أجزاء الكون إما أن يكون قد علم أزليته بالحس والمشاهدة، وهذا باطل لأنه -أي: المدَّعي- حادث، أو أنْ يكون قد علم ذلك بحجة عقلية، وهي قطعًا لن تكون بأوضح وأظهر من حجج العقل على إثبات الخالق الكامل اعتمادًا على الحوادث المشاهدة، ومعلومٌ أنَّ إثبات الخالق يؤول إلى إثبات حدوث كل ما سواه عقلًا وخبرًا.

الثانية: دعوى أزلية شيء من أجزاء الكون لا تستلزم إنكار الخالق الأزلي المختار؛ وذلك لأنَّ الحوادث المشاهدة دلَّت عليه، وحينئذٍ يكون السؤال بعدها: هل هو متفرد بالأزلية أم لا؟ ولهذا مقام استدلالي مستقل.

الثالثة: كما لا يتوقف العلم بالخالق على العلم بحدوث جميع أجزاء الكون، فكذلك -من بابٍ أولى- لا يتوقف الإقرار بالنبوات والبعث على العلم بحدوثها.

الرابعة: الموجود الأزلي إنْ لم يتصف بصفة الاختيار استحال أنْ يوجد عنه شيء حادث؛ وذلك لأنَّهُ إنْ كان مجرد وجوده كافٍ في وجود فرعه = فإنَّ هذا يستلزم أزلية الفرع تَبَعًا لأزلية أصله، وإنْ لم يكن وجوده كافيًا لوجود شيء آخر = لم يوجد الفرع، وعليه: فإنَّ من يثبت أزلية شيء غيبي -لا يتصف بالإرادة والاختيار- قد فرض وجود ما ليس له طريقٌ إلى إثباته؛ وذلك لأنه لا يمكن نسبة الحوادث المشاهدة إليه، والغائبات التي ليس لها أثرٌ به يُعلم وجودها = لن يكون للعقل مدخل في إثباتها.

الخامسة: المقصود من لفظ الكون -كما أشرت أعلاه- هو مجموع السماء، والأرض، والنجوم، والكواكب، والأشجار، والأحجار، والإنسان، ... إلخ، و«كل جزء من هذه الأجزاء مفتقر إلى غيره، والمفتقر إلى غيره لا يكون واجبًا بنفسه» قديمًا.


مما سبق يتضح لك أنَّ مسألة «حدوث جميع أجزاء الكون» مُقحمة في سياق الاستدلال على وجود الخالق، وأنَّ إثارتها واعتماد الطرق الصحيحة لإثبات الحدوث ليس إلا من قبيل التبرع.

التعليقات (٠)

كن أوّل من يعلّق.